تعتبر الجمهورية التركية واحدة من دول الشرق الأوسط الكبرى ، ولها أهميتها الجيوسياسية باعتبارها المعبر بين الشرق والغرب ، وهى بحكم الموقع والكتلة السكانية والمستوى الاقتصادى والتاريخ ، من أقرب شعوب الشرق الأوسط شبها بمصر .
وتجربة الحداثة التركية بدأت فى وقت مواز لتجربة الحداثة المصرية فى مطلع القرن التاسع عشر ، لكنها قطعت شوطا بعيدا مع قيام الجمهورية التركية ، تجاوزت فيه التجربة المصرية .
وكثيرا ما يطرح نموذج تركيا الحديثة بوصفه النموذج القابل للتطبيق فى الدول الإسلامية ،لاعتبار أن تركيا كانت دولة الخلافة لأربعة قرون ، وأن الإسلام هو عقيدة تسع وتسعين بالمائة من الأتراك ورغم هذا قبلت العلمانية منهجا لها ، وقطعت فى هذا الميدان شوطا بعيدا، وقد حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على الترويج لهذه الفكرة فى إطار ترويجها لمشروع الشرق الأوسط الكبير.
فما هى أبعاد نموذج الحداثة التركى ، والظروف التاريخية التى أحاطت به ، وما هو رد فعل المجتمع التركى تجاهه ، وبالتالى نجيب على تساؤل هام هو ؛ هل النموذج التركى نموذجا إسلاميا؟ وما هى قابلية مصر لتطبيق النموذح التركى ، وماذا قد يترتب على تطبيقه فى مصر؟.
***
فى ( ربيع الآخر 1342هـ) 29أكتوبر 1923 أعلن مصطفى كمال أتاتورك قيام الجمهورية التركية أى تركيا الحديثة وهى كل ما تبقى من الدولة العثمانية.
وقد ظهر اتاتورك فى ظروف سياسية وتاريخية صعبة بالنسبة للدولة العثمانية ، إذ خرجت الدولة من الحرب العالمية الأولى مهزومة ، وأحتل الحلفاء واليونانيون أراضيها وعاصمة الخلافة استانبول لأول مرة فى تاريخها ، وهو وضع كان صادما ليس بالنسبة للأتراك فحسب بل بالنسبة للعالم الإسلامى كله.
يبرز دور أتاتورك فى هذه الظروف بوصفة القائد الذى نجح فى طرد المحتلين وتحرير الوطن، ونال من الشهرة الكثير ، ليس داخل تركيا فحسب بل على مستوى العالم الإسلامى كله حتى وصفه أمير الشعراء أحمد شوقى بقوله : ياخالد الترك جدد خالد العربى.
كان الشعب التركى من فرط صدمته بالاحتلال ورغبته فى تحرير الوطن مستعد للالتفاف حول القيادة التى تطرد العدو وتحرر الوطن ، لهذا التف حول أتاتورك القائد العسكرى المشهور آنذاك ، والذى قاد حركات المقاومة الشعبية ضد الاحتلال بتفويض من السلطان العثمانى محمد وحيد الدين ، رافعا شعار تحرير الوطن وتخليص السلطان الخليفة من قبضة المحتلين ، وذلك فيما عرف تاريخيا باسم حرب الاستقلال.
رأى أتاتورك أن من أنقذ الوطن هو الأجدر بالحكم، وهو الشعب التركى بقيادته هو، فألغى السلطنة العثمانية سنة فى (ربيع الآخر 1341هـ) الأول من نوفمبر 1922 ليتسلم مقاليد الحكم فيما تبقى منها وهو الجمهورية التركية. وقد تكونت هذه الجمهورية ليس بوصفها وريثا للدولة العثمانية ، ولكن بوصفها دولة جديدة حديثة لا تنتمى فى أى من خصائصها إلى العثمانيين الذين وصمهم أتاتورك بالخيانة والتخلف لتبرير إلغاء السلطنة العثمانية.
وطالما أن هذه الدولة الجديدة هى ثمرة جهد أتاتورك وجهد الشعب التركى الذى خاض حرب الاستقلال حسب قوله ، فإن مصلحة الشعب كما يراها هو، هى المرجعية وأساس الحاكمية فى تركيا فى مرحلتها الجديدة ، وقد أطلق عليها اسم الحاكمية الملية أى الحاكمية الشعبية ، وهى فلسفة جديدة بالنسبة لثقافة غالبية الشعب التركي التى تكونت عبر قرون العهد العثمانى على أن الحاكمية لله.
قرر أتاتورك تحويل جمعية الدفاع عن حقوق الأناضول والروملى التى تكونت أثناء حرب الاستقلال إلى حزب سياسى هو حزب الشعب الجمهورى،( وهو الحزب الذى يمثل حزب المعارضة التركية فى البرلمان الحالى) .وكان يرى أن برنامج الحزب يجب أن يكون دستورحياة الشعب التركى.
قال أتاتورك : " إن برنامجنا لإدارة دولتنا، هو برنامج حزب الشعب الجمهورى، والمبادىء التى يحتويها هذا البرنامج، هى الخطوط الأساس التى سنهتدى بها فى الحكم والسياسة. لكن هذه المبادئ التى يحتوى عليها برنامج الحزب تختلف عن دوغماتية الكتب التى يُعتَقَد أنها كتب سماوية. إن الهاماتنا ليست من السماء ، وليست من الغيب، أنها مستقاة من الحياة مباشرة"[1].فهو حسب قوله برنامج واقعى وليس برنامج غيبي . وقد عبر برنامج حزب الشعب عن عقيدة أتاتورك وفلسفته للدولة التركية الجديدة التى أقامها.
كان أتاتورك يعتقد " أن حرية الوجدان يجب ألا يكون لها حدود، فلا يُسأل الفرد لماذا آمن بهذا ولم يؤمن بذاك، ولماذا يعبد هذا ولا يعبد ذاك، وليست هناك قوة تجبر إنسان على هذا ولا تملك أى دولة قوة أو سلطة هذا الحق" وفى هـذا السبيل بـذل أتاتورك كل الجهد ، حتى استطاع أن يزيل من طريقه كل المعوقات، وأن يحقق للشعب التركى ما كان يخطط له فى أخريات أيام الدولة العثمانية ، وهو " تأسيس دولـة تركيـة جديدة مستقلـة استقلالا تاما بلا قيد أو شرط ، وتستند على الحاكمية الملية "[2].
أسس نموذج الحداثة التركى :
قام فكر الحداثة عند أتاتورك على تحطيم فكرة الدين وتفعيل دور المجتمع ، حتى تحل إرادة المجتمع محل إرادة الله ، بل ويحل المجتمع محل الله ، و أن المجتمع هو القادر على تلبية احتياجات الإنسان كلها ،وإعطاء المجتمع الحرية فى اتخاذ القرارات التى تناسبه من أجل التطور بعيدا عن أى قيود.
يقول أتاتورك: " كان الإنسان يبحث عن قوة تحميه، فخلق فى وجدانه قوة أطلق عليها اسم الله، وكانوا يطلبون من هذه القوة كل ما يأملون فيه. وكان الإنسان ينتظر كل شيء من هذه القوة لمسماه الله.، لكن الإنسان فى العصر الحديث، لا يجب أن ينتظر كل شئ من الله ، بل من المجتمع، فالمجتمع هو القادر على تلبية احتياجات الإنسان كلها ، والمجتمع هو مصدر كل تطور وطمأنينة وثقة ".
ولم يكن موقف أتاتورك هذا من الدين موقفا سياسيا، إنما كان موقفا فكريا تكون من خلال ثقافته والتزم به أتاتورك فى جميع إجراءاته التى اتخذها بعد إعلان الجمهورية التركية الحديثة.
أعطى أتاتورك فى فلسفة الدولة الحديثة أهمية خاصة لتحطيم التأشير الأيديولوجى للدين على المجتمع ، وحتمية إقصاء الدين ليس عن الدولة ، بل عن حياة البشر،فكان يقول إن "الدين لا يلبى احتياجات الأفراد فى الدول التى تنشد الرقى ، وأن المجتمع هو الكفيل بتلبية هذه الاحتياجات ".
بهذا المفهوم حدد أتاتورك ما يخطط أن تصير إليه الدولة التركية التى أعلنها فى ( ربيع الآخر 1342هـ) 29 أكتوبر 1923.
ورغم اعتقاد أتاتورك فى عدم جدوى الدين للدولة وحتمية تجاوزه لتحقيق الدولة الحديثة، إلا أن فلسفته فى تنفيذ تغيراته الانقلابية كانت تعتمد حسب قوله هو على "تقسيم تطبيقات القرار الذى انتهى إليه إلى مجموعة صفحات أو خطوات، وتهيئة مشاعر الشعب وأفكاره بالاستفادة من الوقائع ومجريات الأمور ، والسير نحو الهدف خطوة خطوة ، وتطبيق كل مرحلة عندما يحين وقتها[3].
لذا فقد نص أول دستور للجمهورية التركية الصادر عام 1343هـ = 1924م على : أن دين الدولة هو الإسلام . وذلك بغية لطمأنة مشاعر الأتراك على دولتهم الجديدة ، ورغم هذا النص نرى أن مجمل القوانين التى وضعت فى تلك الفترة كانت كلها قوانين علمانية .
فتحقيق الهوية التى يخطط لها أتاتورك كان يتطلب إعادة البناء القانونى لكافة موسسات الدولة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لتتلائم مع فلسفتة وفكره واتبع فى هذا سياسة تعتمد على تجفيف المنابع ، والتغيرات الجذرية لكن على مراحل وخطوات وفق برنامج موضوع مسبقا . وأفضل تعريف لبرنامج الحداثة الأتاتوركى هو ما قاله الفرنسى بول جانتيزون " إن ما حدث فى تركيا من 1341هـ= 1922م إلى 1347هـ = 1928م شيئا لانظير له فى أى مكان من العالم ، وإذا جاز لنا التعبير ، فإننا نقول إنها أمهٌ غيرت جلدها كله" أى انسلخت تماما من هويتها.
كان أتاتورك يرمى إلى وضع فلسفته لتكوين تركيا الحديثة موضع التنفيذ على خطوات ، وأول خطوة خرجت إلى حيز التنفيذ من هذا البرنامج هو إلغاء الخلافة الإسلامية فى ( رجب 1343هـ) 3 مارس 1924، بعد أن شن عليها هجوما عنيفا صوّر فيه الخلافة أنها" كانت عبئا على الأتراك". وفى نفس اليوم وجه ضربته الثانية لفصل الدين عن الدولة فأصدر قانون توحيد التدريس لتقويض التعليم الدينى بإغلاق كل مدرسة أو مؤسسة تقوم بتدريس العلوم الشرعية ،وإخضاع كل التعليم للدولة. وفى 8 أبريل 1924 ألغى المحاكم الشرعية ، وفى ( ربيع الأول 1344هـ) 2سبتمبر 1925 ألغى الطرق والتكايا الصوفية فى خطوة هامة نحو العلمانية التى لم يكن قد صرح بها بعد حتى ذلك التاريخ . وكانت الطرق الصوفية لها دورها فى الحياة الروحية للأتراك ، وأصدر فى ذات الوقت قانونا عرف باسم قانون القيافة أو الزى وبموجبه صارت القبعة غطاء الرأس الرسمى للأتراك جميعهم بما فيهم العلماء ، وقد دفع الشيخ عاطف الإسكليبى ( 1293- 1345هـ = 1876- 1926م ) حياته ثمنا لهذا القانون ، وكان قد كتب رسالة قبل إصدار القانون ، قال فيها إن القبعة من مظاهر الكفر لأنها تحول بين المسلم وبين السجود لله ، وهم بوصفهم من الأحناف ينبغى عليهم تغطية الرأس فى الصلاة ، فكيف يتحقق السجود بالقبعة ، فأعدمه أتاتورك بسبب هذه الرسالة. ثم اتجه أتاتورك على إعادة صياغة الأسرة التركية لتصبح أسرة حديثة حسب مفهومه ، فأصدر فى ( شعبان 1345هـ) 17 فبراير 1926 القانون المدنى التركى المأخوذ من القانون المدنى السويسرى ، وفيه تعامل أتاتورك مع الأسرة التركية على أنها شركة مدنية تحكمها قواعد القانون المدنى ، هذه الشركة تقوم بين طرفين أيا ما كانوا ، فلم يشترط الدين فى الزواج وأصبح بإمكان المسلمة أن تتزوج من غير المسلم زواجا مدنيا، كما ألغى تعدد الزوجات ونصت المادة 93 من القانون المدنى التركى الصادر عام 1345هـ = 1926م أن يجبر من أراد الزواج ثانية أن يثبت كون زواجه الأول قد زال بوفاة أوطلاق أو بطلان حكمى. وبالتالى تبطل الزوجية إذا كان الزوج متزوجا بأخرى عند إجراء مراسم الزواج.وفى الوقت نفسه تم السماح بإقامة علا قات خارج الزواج وكفل القانون المدنى الاعتراف بالأبناء ثمرة هذه العلاقة . فأصبح زوج الإثنين مذنبا ، وصاحب العلاقة غير الشرعية محترم الحرية بموجب القانون.
ولأن عقد الزواج بموجب هذا القانون هو عقد مدني وليس عقد شرعي ، فإنه العقد يتم فى البلدية أما العقد الدينى فهو مسالة اختيارية ، ولا يتم عقد زواج دينى مالم تبرز وثيقة العقد المدنى أولا. ولا يكون الطلاق بغير طريق المحكمة ، ويمنع المخطئ من الزوجين ، من الزواج لمدة يحددها القاضى لاتقل عن سنة ولا تزيد عن ثلاث سنوات ، كما أن للزوجة أو الزوج غير المخطى أن يطلب تعويضا ماديا ومعنويا من لطرف الآخر إذا لحقه ضرر مادى من الطلاق ، كما يمكن أن تدفع الزوجة نفقة تتناسب مع مقدرتها المادية إلى زوجها إذا كانت هى المتسببة فى الطلاق ( المادة 144) وتقطع هذه النفقة فى حال زواجه من أخرى . وفى حال الطلاق تقسم بين الزوجين الزيادة فى الأموال التى طرأت بعد زواجهما ( المادة 146)كما حدد القانون عدة الزواج بتلاثمائة يوم أى حوالى عشرة شهور بينما هى فى الشريعة لاتزيد عن أربعة شهور وعشرة أيام . وأعقب هذا بعدد من القوانين مثل قانون التجارة و قانون العقوبات والقوانين الاقتصادية، وغيرت هذه المجموعة المتلاحقة من القوانين وجه الحياة الاجتماعية والاقتصادية التركية لتتطابق مع نمط الحياة الأوروبية. وبهذه القوانين والإجراءات لم يبق للشريعة وجود حقيقى فى الدولة، فالتعليم والدولة والحياة الاجتماعية والقوانين والذهنية كلها صارت علمانية وبالتالى لم تعد هناك ضرورة للاحتفاظ بنص " الإسلام دين الدولة" فى الدستور التركى .
وفى (ذى القعدة 1347هـ) 5 أبريل عام 1928 رفع النص على أن الإسلام دين الدولة من الدستور، وترك الأمر بغير تحديد. وألغيت دروس الدين من المدارس لتدرس بدلا منها مواد الأخلاق ، فى حين استمرت المدارس الأجنبية التى يديرها قساوسة ورهبان فى تدريس دروسها الدينية . وفى الأول من نوفمبر من العام نفسه أى بعد أربع سنوات من إلغاء السلطنة العثمانية ، اتخذ أتاتورك أحد أجراءاته الثورية لتكوين الجمهورية التركية الحديثة ، وهو استبدال الحرف اللاتينية بالحروف العربية أى كتابة اللغة التركية ذات الحروف العربية ، باللغة الحروف اللاتينية فيما عرف باسم الانقلاب الحرفى ( مثلما يجرى الآن بين قطاع كبير من الأفراد عبر وسائل الاتصال ذات الحروف الأفرنجية ، ويتم من خلالها تقعيد استخدام الحروف اللاتينية فى كتابة اللغة العربية)، ويعتبر هذا القانون ضربة قاصمة للثقافة العثمانية والثقافة الإسلامية فى تركيا، وفك الارتباط بين الشعب التركى وتراثة الثقافى والفكرى ، وبموجب هذا القانون صار الشعب التركى غريبا عن تراثه الإسلامى ووجد الشعب التركى نفسه فجأة وبكل طوائفه وعلمائه مطالب بتعلم الكتابة من جديد.
وفى عام 1935م ، صار يوم الأحد هو العطلة الأسبوعية للجمهورية التركية بدلا من يوم الجمعة الذى يحمل قدسية خاصة لدى المسلمين جميعا، وذلك بدعوى مسايرة النظام التجارى العالمى الذى يوقف معاملاته المالية والتجارية من ظهر السبت إلى صباح يوم الإثنين .
وبعد أن قطع أتاتورك هذه الخطوات وهيأ الذهن العام لتقبل الخطوة التالية، صار إعلان العلمانية محصلة طبيعية لما هو قائم بالفعل ، فأعلن أتاتورك فى( شوال 1356هـ ) ديسمبر 1937 أى قبل وفاته بعام واحد ، هوية الجمهورية التركية بالقانون رقم 3115 ، أن الجمهورية التركية دولة علمانية .
غير أن علمانية أتاتورك كانت علمانية ذات طبيعة خاصة ، تتخذ موقفا صارما بل موقف العداء لكل ما يعبر عن انتماء دبنى ، حتى عرف تطبيقه للعلمانية باسم العلمانية الأتاتوركية ، وتعنى العلمانية المعادية الدين . وكانت إعادة البناء القانونى للدولة التركية بمجموع القوانين التى أصدرها من عام 1342هـ = 1923م إلى 1357هـ = 1938تعبر عن أبعاد علمانية أتاتورك .
والسؤال هو ماذا كان موقف الشعب التركى من هذه الاجراءات؟
كانت إجراءات أتاتورك صادمة بالنسبة لغالبية الشعب التركى وفى مقدمته العلماء والفقهاء ، فمنهم من غادر تركيا . ومنهم من لقى حتفه من جراء معارضته لتلك الإجراءات . لكن أهم ما انتجته هذه الإجراءات الكمالية هو تبلور الجماعات الإسلامية التركية التى قامت لملأ الفراغ الذى أوجدته إجراءات الحداثة الأتاتوركية ، فقامت تلك الجماعات بمفهومها الصوفى المبنى على عدم العنف والعمل على المقاومة الهادئة وأهم ما يعنيها هو المحافظة على الإيمان فى نفوس الناس والمحافظة على التواصل من تراثهم الإسلامى ، فكانت الجماعات الإسلامية على اختلافها، وكلها جماعات ذات أنشطة اجتماعية وثقافية تعمل على حفظ الإيمان وعدم الاستسلام للعلمانية الإتاتوركية. فالحركة الإسلامية فى تركيا تختلف فى طبيعتها الهادئة عن الحركات الإسلامية فى بلدان أخرى، كما أن التجربة الديمقراطية هناك أكثر نضوجا من غيرها من بلدان العالم الإسلامى. لكنها ديمقراطية خاصة لاتسمح بالمساس بالعلمانية الأتاتوركية.
وبهذا نرى أن النموذج الحداثة التركى ليس نموذجا إسلاميا للحداثة كما تروج الولايات المتحدة الإمريكية وبعض الإقلام السياسية ، بل هو نموذج علمانى شكلا وموضوعا ، ولا يعتد فى هذا المقام بجزب العدالة والتنمية الحاكم الإن ، فهذا بدوره ليس حزبا إسلاميا بل هو حزب علمانى ، وقد أعلن أردوغان اليوم الأول لتكوين الحزب الذى انضمت إليه أسماء بارزة من الأحزاب الأخرى بكل أطيافها السياسية والحزبية أن حزب العدالة والتنمية حزب إعلمانى محافظ. ولا يمكن أن يكون فى الحكم حزبا إسلاميا بالمعنى الكامل ، لأن هذا ممنوع منعا باتا بحكم الدستور.
ونرى أن الكثير من البلدان العربية قد قطعت أشواطا فى المرحلة الأولى من خطوات أتاتورك ، وتعد الساحة الآن لتطبيق المرحلة الثانية تحت شعار التحديث الشامل للدولة والمجتمع. فماذا يمكن أن يحدث فى حال انتقالها إلى المرحلة الثانية من تطبيق برنامج الحداثة التركى؟ وهل سيكون رد فعل المجتمع تجاهها هو نفس رد الفعل التركى ، وهل ستزداد فعالية الحركات الإسلامية وهو أمر متوقع ؟ وفى أى اتجاه سيتبلور رد فعلها مع الوضع فى الاعتبار طبيعة الحركات الإسلامية فى البلدان العربية وخاصة مصر .
[1] أنظر، kazim öztürk, TBMM beşinci döne üçüncü toplanma,yılını açiş konuşması, kültür bakanlığı yayıları,c.2,s.1135.
[2] مصطفى كمال أتاتورك ، خطاب أتاتورك ( ويسميه الأتراك ، نُطُق، تورك طياره جمعيتنى ، انقره 1927، ص 9.
هو الخطاب الذى ألقاه أتاتورك فى المؤتمر الكبير الثانى لحزب الشعب الجمهورى عام 1927، واستغرق إلقاؤه ستة أيام متتالية من 15 إلى 20أكتوبر. استغرق أتاتورك شهرا فى كتابة هذا الخطاب ، جمع خلاله كل ما يود أن يتضمنه الخطاب باعتباره خلاصة فكره وتجربته . ويقدم فيه تفصيلات كثيرة حول أهم الأحداث التى أحاطت بإلغاء السلطنة العثمانية 1922، ثم إعلان الجمهورية التركية فى العام التالى، ثم إلغاء الخلافة الإسلامية سنة 1924م، والمبادىء التى اتخذتها الحكومة الكمالية أساسا للجمهورية.