تعتبر قضية الإصلاح أحد القضايا الهامة التى شغلت الفكر الإسلامى منذ القرن الثامن عشر ، وهو القرن الذى بدأ فيه توجيه نظر مجموعة من المثقفين والساسة المسلمين إلى أوروبا واعتبارها المصدر الذى ينبغى اتباعه فى محاولة النهوض بالعالم الإسلامى على المستوى التقنى والعسكرى بعدما أحدقت الأخطار بالدولة العثمانية رأس العالم الإسلامى آنذاك . استطاع المجتمع العثمانى أن يتصدى لبعض هذه المحاولات ، لكن بعضها الآخر تم فرضه من جانب النخبة العثمانية تحت تهديد الخوف من الخطر القادم من الغرب، والأحساس بالهزيمة الحضارية أمامه.
السمات الفكرية العامة للعالم الإسلامى فى القرن التاسع عشر:
كان القرن التاسع عشر ،فترة غنية بالمفاهيم والمصطلحات الجديدة التى نشأت فى أوروبا وانتقلت إلى العالم الإسلامى وعلى رأسه الدولة العثمانية من خلال نفر من المثقفين العثمانيين ، وأصبحت مفاهيم العلاقة بالغرب ، والقومية والوطنية والمشروطية أى الدستور، والحرية والمساواة ، والإصلاح بمضامينها الغربية تتصادم مع مدلول مرادفاتها فى الفكر العثمانى، والإسلامى بشكل عام. ونتج عن اختلاف مدلول هذه المفاهيم ، عدد من المشكلات الفكرية والاجتماعية واالاقتصادية والقانونية والسياسية داخل العالم الإسلامى بشكل عام ، والدولة العثمانية بشكل خاص .
لهذا فإن المشكلة العظمى التى يعيشها المسلمون منذ القرن التاسع عشر الميلادى ، تكمن فى محاولة الوصول إلى صيغة تحقق لهم الموائمة فى التعامل مع هذه المفاهيم ،بين موروثهم الثقافى والعقدى ، والغرب بثقافته وحضارته .وقد تدرجت مواقف المسلمين من الغرب بين الإقبال الكامل على الإنتاج الفكرى الحضارى والمادى الغربى وهذا الزعم تبناه أولئك الذين نظروا إلى الغرب باعتباره النموذج الواجب الإتباع والتطبيق للخروج بالمسلمين من مأزقهم المعاصر والمتمثل فى تخلف النظم والشعور بالهزيمة المادية أمام الغرب . والأتجاه الثانى تمثل فى الرفض الكامل لكل ما يأتى من الغرب الذى ارتبطت ثقافته وفلسفاته الاجتماعية والاقتصادية بالمادية الكاملة. وهو ما يتعارض من فلسفة الإسلام القائمة على التوازن بين المادة والمعنى.
وبهذا نجد أن الاتجاهين يقفان على طرفى نقيض من الغرب ، وكلما أمعن أحدهما فى التشدد لموقفه ، كان رد الفعل من الجانب الآخر ، فى صورة مزيد من التشدد والإفراط.
فى إطار هذه الفكرة المبدئية نستطيع أن نتفهم محاولات الإصلاح التى اجتازتها الدولة العثمانية فى مطلع القرن التاسع عشر .
أولا: التجديد على النمط الغربى:
حدث تيار التغريب فى الدولة العثمانية فى القرن التاسع عشر من خلال ظروف سياسية ، وانعكست نتائجه فيما بعد على الحياة الفكرية فى الدولة التى أعلنت أول خطة عمل رسمية لتغريب الدولة العثمانية سنة 1255هـ – 1839م وهى التى تعرف باسم خط شريف كلخانه الذى يعتبر البداية القانونية لمرحلة التنظيمات العثمانية.
وقد أسهمت السفارات الدائمة التى أنشأها السلطان سليم الثالث ( 1798-1808) فى أواخر القرن الثامن عشر فى تغريب الحياة الفكرية والثقافية والاجتماعية للدولة العثمانية ، فنشأ من خلالها العديد من المثقفين العثمانين ،ممن اتصلوا بالغرب وتعلموا اللغات الأجنبية ، وتعرفوا على الأفكار السائدة فى أوروبا ، كما لعبت هذه السفارات أيضا دورا مهما فى تعريف النخبة والعامة بالغرب ، حيث أصبحت السفارات نوافذ الدولة العثمانية المفتوحة على أوروبا ، وبالتالى بدأت تتشكل داخل الدولة أقلية صغيرة وجهتها الغرب ، قادت العالم الإسلامى من خلال الدولة العثمانية فى فترة التنظيمات [1].
ذلك أن بعض الشبان المنتمين إلى السلك الدبلوماسى الذى أرسلته الدولة إلى الخارج ، تعلموا اللغات الأجنبية ، ورصدوا العالم المحيط بهم ، واجتهدوا فى فهم النظم السياسية والإدارية الأوروبية ، وبعد ذلك بوقت قصير ، استطاعوا بمشاهداتهم واستنتاجاتهم ، دفع حركة الإصلاح الموجهة إلى تحديث الدولة العثمانية وفق النموذج العلمانى الغربى[2]،والتى اكتسبت وضعها القانونى بإعلان التنظيمات العثمانية [3].
وفى مطلع القرن التاسع عشر اتسعت قنوات الاتصال بالغرب عن قرب ، فقد أرسل السلطان محمود الثانى ( 1809 -1839) بعض المبعوثين على الدول الأوروبية لتلقى العلوم الحديثة، وأحضر مدربين أوروبيين لإنشاء جيش جديد حديث على النسق الأوروبى وما يحتاجه هذا الجيش من مؤسسات بهدف إعادة بناء الدولة العثمانية .
انعكس هذا التجديد على التعليم لتخريج جيل جديد قادر على تحقيق التحديث المرجو، فتم ابتعاث طلاب من العالم الإسلامى إلى أوروبا للتعلم والتعرف عن قرب بالفكر الأوروبى، كما أدخلت اللغة الفرنسة فى المدارس العسكرية وبعض المدارس الحديثة، مما يعتبر نقطة تحول أساس فى الثقافة العثمانية. وفى هذه اللغة الفرنسية نجد المصدر الحقيقى لكل تغير حدث فى بناء الدولة العثمانية .
رشيد باشا( 1800-1858):
كان الصدر الأعظم رشيد باشا رجل دولة وسياسة. تعرف بالغرب عن قرب أثناء عمله سفيرا للدولة العثمانية فى لندن وباريس فى زمن السلطان محمود الثانى. كان رشيد باشا معجبا بالسياسة الإنكليزية ،ويعتقد أن انكلترا هى الأساس فى حل القضايا السياسية الدولية ، وهذا ما جعله يؤمن بضرورة أتباع الدولة العثمانية للنموذج الغربى فى إدارة مؤسساتها . وكان رشيد باشا صديقا حميما لسفير انكلترا فى استانبول "لورد رادنج" الماسونى . وقد انضم رشيد باشا إلى المحفل الماسونى أثناء عمله سفيرا فى لندن ، وهو أول ماسونى يأخذ دورا فعالا فى الدولة العثمانية .وقد اضطلع رشيد باشا بالدور الأكبر فى إعداد أول خطة رسمية لتغريب الدولة العثمانية وهو مرسوم التنظيمات الأول "خط شريف كلخانه". وقد ضاعف هذا المرسوم من مكانته بالنسبة لانكلترا ، التى كان لها الدور الأكبر فى أصدار هذا المرسوم سواء من حيث المبدأ أو من حيث المضمون .
وقد أعد رشيد باشا الجيل الثانى من الوزراء ورجال الدولة ، وبمساعدته أسهم هؤلاء فى دفع عجلة التغريب التى بدأها هو .
تنبى الدولة العثمانية سياسة التغريب رسميا ( التنظيمات العثمانية 1839-1856م):
بدأ القرن التاسع عشر والدولة العثمانية تعانى من مشكلات داخلية جسام ، تمثلت فى ثورات البلقان ، وخروج محمد على، على سلطة الدولة العثمانية وسعية لإقامة دولة موازية للدولة العثمانية يكون مركزها القاهرة وتعتمد على أسس مدنية، وتتبنى مبدأ المساواة الكاملة بالمفهوم الغربى بين رعاياه ، واندفع بكامل طاقته فى اتجاه الغرب فى سبيل بناء الدولة الحديثة التى يرغب فى إقامتها . فتوغل فى بلاد الشام والأناضول واتخذ طريقه إلى القسطنطينية لمحاربة السلطان العثمانى الذى يمثل المرجعية الشرعية لولاية محمد على ، واستطاع أن يهزم جيش الدولة العثمانية فى موقعة نزيب ( نصيبين) سنة 1839م ، وأصبح محمد على يمثل خطرا حقيقيا بالنسبة للدولة العثمانية . فى ذلك الوقت اشترطت الدول الأوروبية وعلى رأسها انجلترا ، ضرورة فرض نظام جديد على الدولة العثمانية يضمن ان تتبنى الدولة قوانين جديدة مقتبسة من النظم الإوروبية، وأن تعطى مزيدا من الحقوق للرعايا غير المسلمين فى الدولة العثمانية ممن يتمتعون برعاية وحماية الدول الأوروبية، هذا شرط مبدئى، بعده تقدم الدول الأوروبية يد المساعدة فى حل الأزمة المصرية العثمانية وبهذه القوانين الجديدة تبدأ ما يعرف فى التاريخ العثمانى باسم التنظيمات العثمانية.
والتنظيمات اصطلاح يعنى تنظيم شئون الدولة العثمانية وفق المنهج الغربى، ويقر مبادئ الحرية والإخاء والمساواة بين جميع رعايا الدولة على اختلاف مذاهبهم، ويستلهم الفكر الغربى فى التقنين وإقامة المؤسسات ، والأخذ بنظم الغرب فى تنظيم الجيش وتسليحه ونظم الإدارة والحكم، والاتجاه بالمجتمع نحو التشكيل العلمانى والخروج عن التنظيم الإسلامى للدولة والمجتمع[4]
خط شريف كلخانه 1839م:
تبنى الصدر الأعظم السياسى المجرب مصطفى رشيد باشا ، وجهة النظر الإنجليزية ، وأعد برنامجه للإصلاح مستوحيا خطوطه الأساسية من الفكر الأوروبى والبرناج الإنجليزى الذى كان يثق فيه ، واستطاع أن يجبر السلطان الشاب عبد المجيد الأول ، وكان لم يتجاوز بعد الثامنة عشر من عمره ، على أن يعلن رسميا فى عام 1839 مرسوما عرف باسم مرسوم كلخانه، جاء فيه أن الدولة العثمانية ترى" من الآن وصاعدا أهمية لزوم وضع وتأسيس قوانين جديدة تتحسن بها إدارة ممالك الدولة العثمانية، والمواد الآساسية لهذه القوانين هى عبارة عن الأمن على الأرواح وحفظ العرض والناموس ( الشرف) والمال وتعيين الخراج وهيئة طلب العساكر للخدمة"[5] وهذا يعنى أن الدولة العثمانية قررت أن حكومتها ستتبنى رسميا مبادىء الحرية والإخاء والمساوة بين جميع رعاياها على اختلاف مللهم وأعراقهم كخطوة أولى فى طريق الإصلاح الرسمى على النسق الغربى .
وجدير بالذكر أن الحرية والمساواة بين العثمانيين كانت سابقة بمفهومها الإسلامى ، قبل التنظيمات. فالنظم المرعية فى الدولة العثمانية كانت تعترف لكل طائفة من طوائف غير المسلمين ، بشخصية معنوية ، وتمنح لرؤساء الدين سلطان خاصة فى شئون أبناء طائفتهم. وكانت السلطات الممنوحة للبطاركة تجعل من البطريركية دولة داخل الدولة[6] فضلا عن هذا فالدولة العثمانية لم تعرف العنصرية ولم يكن للأتراك السيادة على إدارة الدولة ، وكان هذا عكس سائر الإمبراطوريات فى التاريخ ، فالإمبراطورية النمساوية مثلا ، سيطر عليها العنصر الألمانى ، كذلك الإمبراطورية الروسية سيطر عليها العنصر الروسى، والإمبراطورية البريطانية سيطر عليها العنصر الإنكليزى، أما الدولة العثمانية فمنذ قيامها لم تحكمها القومية ، إنما حكمها الدين ، وهو المساواة الإسلامية[7].
والحق أن السلطان عبد المجيد كان خاضعا لتأثير وزيره رشيد باشا الذى وجد فى الغرب ومدنيته المثل الأعلى وفلسفته . وقد أعد رشيد باشا الجيل التالى له من الوزراء ورجال الدولة الذين أسهموا فى دفع عجلة التغريب التى بدأها هو[8].
خط همايون 1856:
تأكد اتجاه الدولة العثمانية فى اتخاذ التغريب هدفا لها ، بإصدار مرسوم التنظيمات الثانى الذى عرف باسم خط همايون فى عام 1856م. وارتبط صدوره أيضا بظهور خطر خارجى يهدد الدولة وهى الحرب الروسية العثمانية المعروفة بحرب القرم ، وكان إعلان هذا المرسوم هو الشرط لاشتراك الدولة العثمانية فى مؤتمر الصلح المنعقد فى باريس فى فبراير 1856 ، لتسوية مسألة حرب القرم . وكان السفير الإنجليزى فى استانبول ستراتفورد رودوكليف وراء إصدار مرسومى التنظيمات الأول والثانى.
أكد المرسوم الثانى كل ما جاء به خط شريف كلخانة ، وسار شوطا بعيدا فى مسألة التغريب وتخلصت الدولة العثمانية نهائيا من ازدواجية النظم والقوانين والإدارة التى نشأت بعد المرسوم الأول ، مع إضافة امتيازات جديدة وحصانات لغير المسلمين فى الدولة. فقد نص هذا المرسوم على الآتى:
"تمحى وتزول إلى الأبد من المحررات الرسمية الديوانية كافة التعبيرات والألفاظ المتضمنة تحقير جنس لجنس آخر فى اللسان ( اللغة) أو الجنسيةأو المذهب … ولا يمنع أى شخص من إجراء رسوم الدين المتمسك به ولا يؤذى بالنسبة لتمسكه به ولا يجبر على تبديل دينه ومذهبه…. يصير قبول تبعة الدولة من أى ملة فى خدماتها ومأمورياتها .. ويصير قبولهم فى مدارسنا الملكية والعسكرية بلا فرق ولا تمييز بينهم وبين المسلمين… وتلغى كافة المعاملات المشابهة للإيذاء والجزاءآت البدنية… وكما أن مساواة الخراج تستوجب مساواة سائر التكاليف ، والمساواة فى الحقوق تستدعى المساواة فى الوظائف، فالمسيحيون وسائر التبعة غير المسلمة ، يسحبون نمرة قرعة مثل المسلمين … وتجرى عليهم أحكام المعافاة فى الخدمة العسكرية بتقديم البدل الشخصى أو النقدى… ولأجل أن تمنح الأجانب الفوائد الجاري منحها للأهالى، سيصرح لهم بالتصرف بالأملاك … ويصير تصحيح أصول العملة وتعمل الطرق المؤدية لاعتبار مالية الدولة مثل فتح البنوك وتعيين الأسباب التى تكون منبعا لثروة ممالكنا المحروسة المادية… ويلزم النظر فى الأسباب المؤدية لاستفادة العلوم والمعارف الأجنبية ووضعها على التعاقب فى موقع الإجراء"[9].
وضعت التنظيمات الدولة العثمانية وجها لوجه مع النظم والقوانين الأوروبية فقد كانت بمثابة انقلاب فى بنية الدولة العثمانية وقوانينها ومؤسساتها ، فى حين أن الغالبية العظمى من العثمانيين على كافة المستويات الفكرية والاجتماعية ، لم تكن مستعدة من الوجهة الفكرية لتقبل هذه النقلة التى أتت بها التنظيمات العثمانية. وأدت التنظيمات إلى ظهور مجموعة جديدة من المشكلات فى الدولة العثمانية على المستوى السياسى والفكرى والاجتماعى .
فقد أفسحت هذه التنظيمات الجديدة المجال بصورة أكبر أمام تدخل دول أوروبا الاستعمارية وعلى رأسها انجلترا وفرنسا ، بالإضافة إلى روسيا والنمسا ، فى علاقة الدولة العثمانية برعاياها من غير المسلمين بدعوى مراقبة مدى التزام الدولة بتطبيق هذه المساواة ، واتسع نفوذ قناصل وسفراء هذه الدولة داخل الدولة العثمانية ، واكتسبوا حقا مطلقا فى المساواة الكاملة بالمسلمين بموجب القوانين.
وأهم نتائج هذا الخط الهمايونى أنه اعتبر بمثابة التزام دولى من جانب الدولة العثمانية تضمنته المادة التاسعة من معاهدة صلح باريس التى نصت على أن " سلطان الدولة العثمانية ، لعنايته بخير رعاياه جميعا ، فقد تفضل بإصدار منشور غايته إصلاح ذات البين بينهم ، وتحسين أحوالهم بقطع النظر عن اختلافهم فى الأديان والجنس ، وأخذ فى ذمته مقصده الخيرى نحو النصارى القاطنين فى بلاده . وحيث كان من رغبته أن يبدى الآن شهادة جديدة على نيته فى ذلك، عزم على أن يطالع الدول المتعاهدة بذلك المنشور الصادر عن طيب نفس منه ، فتتلقى الدول المشار إليها هذه المطالعة بتأكيد ما لها من النفع والفائدة " وبذل أصبح هذه المبادئ التى نص عليها مرسوم التنظيمات الثانى أمرا ملزما للدولة العثمانية أمام الدول الأوروبية لا يملك السلطان إلغاءه ولا تغييره بدون موافقة الدولة المشاركة فى المؤتمر[10].
ازدواجية الفكر (بين الأصالة والتغريب):
إن فترة التنظيمات ، وضعت القديم فى مواجهة الحديث، والفكرة الإسلامية فى مواجهة فكرة التغريب.فمع منتصف القرن التاسع عشر عاد إلى استانبول الطلاب الذين ابتعثوا إلى اوروبا فى زمن السلطان محمود الثانى ،بزادهم الثقافى والفكرى، ليحدثوا تحولا ثقافيا فى الدولة العثمانية، وبدأت حركة الترجمة من الفرنسية إلى التركية خاصة فى ميدان الأدب والفكر، ولو أمعنا النظر فى أشعار أدب تلك الفترة لوجدناه يشبه ما كتبه المفكرون الفرنسيون فى القرن الثامن عشر. كما أنشأت حجرة للترجمة مهمتها تدريس اللغات الأجنبية خاصة الفرنسية، والترجمة إلى اللغة التركية، وبذلك وجد العثمانيون طريقا مباشرا إلى الثقافة الغربية.
ومن خلال اللغة الفرنسية وأدبها ، ظهرت فى الدولة العثمانية مفاهيم أدبية وسياسية غريبة عن الفكر العثمانى، ذلك أن تأثير التعليم الجديد واللغة الفرنسية لم يقتصر على الأدب فحسب بل تجاوزه إلى السياسة، وتسربت مفاهيم الثورة الفرنسية والأفكار الغربية إلى الفكر العثمانى من خلال الأعمال الأدبية المترجمة لكبار أدباء الثورة الفرنسية وفلاسفتها أمثال فيكتور هوجو ، والكساندر دوماس، وجان جاك روسو، ولامارتين، ولافونتين، وظهرت فى الأدب كلمات الوطن والدستور والقومية ، وبمرور الوقت أكتسبت هذه الألفاظ طابعا سياسيا متأثرا بالمفهوم الغربى لها. وكانت الدعوة إلى المدنية بالمفهوم الغربى هى أول المبادئ التىظهرت فى فترة التنظيمات.[11]
ازدهرت فى تلك الفترة المؤسسات التقليدية ، والمؤسسات الجديدة التى ظهرت تحت التأثير الأوروبى جنبا إلى جنب. وكما رأى أصحاف الثقافة الأوربية أن الإصلاح فى الدولة العثمانية لا يكون إلا بالاتجاه ناحية الغرب، كان فريق آخر من رجال الدولة يرى أن على العثمانيين أن يتجنبوا فكرة تقليد الغرب، وأن يعملوا على تقوية الوحدة العثمانية، لذا فإن فكرة القومية التى انطلقت من أوروبا ، لا ينبغى أن تكون أساسا لإعادة تنظيم الدولة العثمانية وإصلاحها[12].
وكانت الإصلاحات التى يسعى إليها رجال التنظيمات تبدو مغايرة لأفكار وعادات المسلمين، الذين رأوا أنه من الخطأ أن يقع العثمانيون تحت تأثير المدنية الغربية، ذلك لأن تقليد مؤسسات تلك الدول والأخذ بقوانينها، لن يكسب العثمانيين محبة الدول الأوروبية التى تكن حقدا عميقا للعثمانيين، ولهذا ينبغى أن ينصرفوا عن فكرة تقليد الغرب[13].كما أن وضع نظم قوانين موحدة لكل الولايات العثمانيية على تبايينها واختلافها من شأنه أن يتجاهل خصوصيات تلك الولايات الثقافية والبشرية التى حرصت الدولة العثمانية دائما على احترامها وعدم المساس بها.
كان رجال التنظيمات يطالبون بتكوين نظام سياسسى على النسق الأوروبى، بينما رأى العثمانيون أنه من الخطأ تطبيق نظام الحكم الأوروبى على المجتمع العثمانى لأن ذلك الحكم يقوم على مجموعة من القواعد التى تتباين مع القواعد التى تقوم عليها الدولة العثمانية ، وأن الوظيفة الأساسية للعلماء والوزراء ، هى نفسها وظيفة المجالس البرلمانية فى الحكومات الأوروبية الدستورية، بل أن وظيفة وصلاحيات العلماء والوزراء ، تتفوق على هذه المجالس البرلمانية[14] .
كان نجاح التغربيون فى فرض برنامجهم الإصلاحى مقدمة لاتساع نشاط الأوروبيين داخل الأراضى العثمانيية على امتدادها.
فشهدت فترة التنظيمات نشاطا ملحوظا لإنشاء المحافل الماسونية فى الدولة العثمانية سواء فى المركز أو فى الولايات العثمانية، خاصة بعد حرب القرم 1856. وأصبح تأسيس هذه المحافل مثار التنافس بين السفراء الأوروبيين فى العاصمة استانبول. فأسس لورد رادنج سفير انجلترا فى استانبول ، محفلا ماسونيا فى حى غلطة سنة 1854وكان هذا السفير صديقا للصدر الأعظم رشيد باشا . فسارع السفير الفرنسى بتأسيس محفلا ماسونيا فى بك أوغلو سنة 1856 ، ردا على المحفل الإنجليزى، فأسس السفير الإنجليزى السير هنرى بولوار محفلا فى بيوك دره سنة 1857، فأسرع السفير الفرنسى بتأسيس محفلا آخر سنة 1858م. هذا التنافس شجع بعض المثقفين الأرمن الذين تعلموا فى أوروبا على تأسيس محفلا ماسونيا فى استانبول سنة 1861م تابع لمحفل الشرق الأعظم الفرنسى[15].
وفى عام 1863 ، أنشئ فى استانبول محفل اتحاد الشرق المرتبط بمحفل الشرق الكبير الفرنسى. وقد ضم هذا المحفل مائة وثلاثة وأربعين عضوا من مختلف آفاق المجتمع العثمانى، منهم عدة فرنسيين وأوروبيين منهم محام فرنسى يدعى لوى آميابل ، أحد الشخصيات الرئيسية للماسونية الفرنسية وعدد كبير من المنتمين إلى الأقليات فى الدولة العثمانية. وعدد من وجهاء اليهود والأرمن . كما ضم المحفل أيضا خمسين من العثمانيين المسلمين غالبيتهم من الجيش ومنهم أيضا قضاة وعلماء. وقد نجح المسئولون عن المحفل فى تجنيد أشخاص يحتلون غالبا مناصب رئيسية، وكانت قائمة الأعضاء فى عام 1869 تضم رؤوف بك الياور الأول للسلطان عبد العزير، وجميل بك المسئول الأول عند غرفة السلطان ، واثنين من الولاة وأحد مفتشى الشرطة ، وعدة عسكريين من أصحاب الرتب العليا فى الجيش ، وأربعة قضاة للمحكمة التجارية ، وابراهيم أدهم رئيس مجلس الدولة ، والأمير مصطفى فاضل أحد زعماء العثمانيون الجدد[16].
إلى جانب العسكريين وموظفى الدولة المدنيين، كان المحفل يضم عدد من التجار والصيارفة من الأقليات غير المسلمة، كانوا يقومون بدور الوسطاء من الدرجة الأولى بين أوروبا والدولة العثمانية، فكانوا يقومون بترويج أساليب الحياة والفنون والتقنية والفلسفات الأوروبية داخل المجتمع العثمانى ، إلى جانب مهمة أخرى هى تمويل التغيير . فبالاعتماد على أموالهم جزئيا تبنى الدولة القصور والثكنات والمدارس التى ترمز إلى الروح الجديدة للتنظيمات، وهم الذين يفتحون مضخة القروض التى سوف تعتمد عليها الدولة لتجديد الجيش ، وبناء المرافق الضروروية لتغريب الاقتصاد العثمانى[17].
وهناك فريق آخر جدير بالانتباه هو فريق علماء الدين وكانوا فى فترة التنظيمات موجودين فى غالبية الأجهزة المركزية التى أنشأها الباب العالى من أجل الإصلاحات، وكان العلماء هم الذين يكلفون بشكل رئيسى بسير عمل القضاء بالرغم من التحولات التى حدثت فى هذا المجال منذ عهد السلطان عبد المجيد الأول وذلك لأن الدولة فى مرحلة التنظيمات لم يكن قد توفر لديها بعد العدد الكافى من الموظفين المدنيين لأداء جميع الوظائف الجديدة التى أنشئت ، وبالتالى كان لا بد من الاعتماد لفترة على الممثلين التقليديين للإدارة العثمانية ، والعلماء[18]
كما أن ليبرالية الحكم العثمانى فى مرحلة التنظيمات إزاء الأجانب والرعايا غير المسلمين ، وفق ما نص عليه مرسومى التنظيمات الأول والثانى،جعلت رعايا لدولة العثمانية من غير المسلمين ينظرون إلى الدول الأوروبية باعتبارها حامية لحقوقهم قبل الدولة العثمانية ، فاعتبر الكاثوليك أنفسهم فى حماية فرنسا، والأورثوذكس فى حماية روسيا ، والبروتستانت فى حماية انجلترا[19] ،كما جعلت المبشرين الإنكليز والأمريكان يطالبون بتنازلات غير عادية منها مهاجمة الإسلام علنا بهدف تنصير المسلمين ، وإلغاء الأحكام الإسلامية الخاصة بالارتداد عن الإسلام. وحين قضى الباب العالى ( فى عامى 1864، 1865) على كل احتمال للهجوم المباشر على الإسلام ، سعى المبشرون إلى العمل على سقوط الدولة العثمانية، وأن تستبدل بها دولة مسيحية تحقق أهدافهم بالنسبة إلى كل من المسلمين والمسيحيين[20]. وازداد نشاط المبشرين فى إنشاء الكنائس والمعابد ، وإصلاح وترميم ما تهدم منها، ووصل الأمر فى بعض الولايات إلى هدم بعض المساجد أو تحويلها إلى كنائس . وتمتع هؤلاء المنصرون بحماية سفراء الدول الأوروبية وقناصلها[21].
وأصبح التعليم هو المجال المستهدف للمنصرين الأوروبيين، من خلال إنشاء المدارس الخاصة وتشجيع أبناء المسلمين على الالتحاق بها ، بعد أن كان هذ المدارس مقصورة على أبناء الأقليات غير المسلمة، كما أصبحت هذه المدارس غير خاضعة لرقابة الدولة العثمانية[22].
استنفدت محاولات التحديث على النسق الأوروبى رصيد الخزانة العثمانية . فقد كان من الضرورى لتقديم برنامجا سليما للإصلاح الاقتصادى فى الدولة العثمانية ، أن يتعرف رجال التنظيمات على مصادر الثروة والبنية الاقتصادية للدولة العثمانية ، ثم يتعرفون على القواعد العامة للاقتصاد الأوروبى، ومدى ملائمتها للدولة العثمانية.
وكان التحديث الذى تستهدفه التنظيمات يعنى قيام الدولة بعدد من المشروعات الصناعية والزراعية والعمرانية، ومواكبة التطور الصناعى الأوروبى وتنفيذ المشروعات الاستثمارية التى اقترحتها عليها الدول الأوروبية لتبدوالدولة العثمانية مواكبة للتمدن الأوروبى. مثال ذلك مشروع مد خطوط السكك الحديدية الذى استفادت فرنسا وانجلترا وألمانيا استفادة كبيرة من تنفيذه وتمويله.وكان رجال التنظيمات يفتقرون إلى الخبرة بالنظم الاقتصادية الأوروبية التى اقتبسوها عن الغرب ، والتى لا تتفق مع النظام الاقتصادى العثمانى[23]كما فشلوا فى تقدير نفقات الدولة الحقيقية ، واندفعوا إلى إضفاء مظاهر المدنية الأوروبية على الدولة العثمانية، بصورة أرهقت خزانة الدولة ولا تتناسب مع إيرادتها. فضلا عن هذا فقد نتج عن الإفراط فى الاتصال بمظاهر المدنية الأوروبية ، أن أصبحت الحرف التقليدية عند العثمانيين عاجزة عن إشباع الرغبات والأذواق المتنامية لتليد الغرب ، فانهارت هذه الصناعات العثمانية بمرور الوقت، وساعد على هذا الانهيار ذلك التوسع فى استيراد المنتجات الأوروبية ، خاصة بعد أن أصبح استخدام هذه المنتجات رمزا للتميز الاجتماعى بين أهالى استانبول ، مما أحدث بدوره تغييرا فى نمط الحياة الاقتصادية[24]
وأثمرت سياسة التقليد للغرب سواء على مستوى الحكومة أو الأفراد عجزا فى الموازنة، فاتجهت الدولة إلى عقد قروض داخلية من الصيارفة وكانوا من الأرمن واليهود ، بفوائد عالية، وقروض أخرى خارجية من الدول الأوروبية، ومن ثم أصبح الاقتراض هو السمة المميزة للسياسة المالية للتنظيمات، فقد عقدت الدولة ستة عشرة قرضا خارجيا أثناء حكم السلطان عبد المجيد والسلطان عبد العزير منها ستة قروض فى السنوات الخمس عشرة الأخير[25].
وبموجب التنظيمات أصبح للأوروبيين حق التجارة والتملك داخل الدولة العثمانية ، وتم توقيع معاهدات تجارية مع تلك الدول حولت الدولة العثمانية إلى سوقا لاستثمار رأس المال الأجنبى وسيطر الأوروبيون على التجارة الداخلية.
وبمقتضى المساواة التامة بين المسلمين وغير المسلمين فى الحقوق والواجبات التى نصت عليها التنظيمات، زاد تقلد الأرمن والروم للمناصب الإدارية الكبرى بالدولة، وأصبح الصيارفة الروم والأرمن بمثابة مستشارين ماليين للدولة ، مما زاد من شأنهم وقوتهم فى المعاملات التجارية والمصرفية، وازدادت أموالهم وأصبحوا قوة مسيطرة على الاقتصاد العثمانى[26] .
الدولة العثمانية بين الشريعة والقانون:
كان تحديث الدولة العثمانية وفق النموذج الغربى يتطلب تغييرا جذريا فى بنية الدولة والأسس القانونية التى تقوم عليها مؤسساتها المختلفة.
فالوضع الجديد الذى ترمى إليه حركة التنظيمات كان يستلزم إجراء تغيير فى النظم وألأصول التشريعية والقانونية للدولة العثمانية ومع اتساع علاقة الدولة العثمانية الاقتصادية والتجارية بالدول الأوروبية، وإعطاء الأجانب حق التملك فى الدولة العثمانية، أنشئت لأول مرة محاكم مدنية على النسق الأوروبى إلى جانب المحاكم الشرعية لتنظر القضايا المدنية التى يكون أحد أطرافها من غير المسلمين سواء من رعايا الدولة أو من الأجانب، واستتبع إنشاء هذه المحاكم المدنية وضع قانون مدنى للعمل به أمامها. وظهرت مشكلة تتعلق بالمصدر التى تستقى منه هذه القوانين المدنية ، هل من القوانين الوضعية التى قطعت فيها أوروبا شوطا كبيرا.أم من الشريعة الإسلامية .
اقترح رجال التنظيمات أن تتم ترجمة القانون المدنى الفرنسى الذى وضعه نابليون بونابرت، وهو قانون اتخذ التطبيق العلمانى فى الدولة هدفا له ليتفق مع الاتجاه الجديد للتنظيمات ، وكانت رؤيتهم ترتكز على أن المؤسسات التى تقام على النسق الغربى يجب أت تدار بالقوانين الغربية.كما أن القوانين الغربية ذات النصوص المحددة الثابتة سهلة التناول ، ولا تخضع فى تطبيقها إلى الاجتهاد فى الاستنباط كما هو الحال فى المسائل الفقهية.مما قد يؤدى إلى اختلاف الحكم فى المسألة المدنية الواحدة، وأن الفقه الإسلامى نظريا غير مساير للحياة العملية ويصعب تقنينه.
فى مواجهة هذا الاقتراح كان المؤرخ والفقيه والسياسى العثمانى أحمد جودت باشا على رأس من يدافعون على ضرورة وضع تقنين شرعى للفقه الإسلامى ليتناسب مع التكوين الحقيقى للدولة العثمانية. ذلك لأن القوانين التى استطاع المتحمسون للفكر القانونى الغربى إصدارها ، جاءت مشبعة بروح القوانين الغربية، وبالتالى أوجدت تناقضا فى تكوين الدولة العثمانية.واعتمد المؤرخ والفقيه العثمانىأحمد جودت باشا على دراسته الفقهية واشتغاله بالقضاء ، ليقول إن تقنين الشريعة الإسلامية ليس بالأمر العسير وإنه من الممكن استنباط أحكام فقهة فى صياغة قانونية عصرية توفر القاعدة القانونية الواحدة التى يطالب بها دعاة العمل بالقوانين الوضعية الأوروبية ذات النص الثابت. وعكف أحمد جودت باشا على إصدار مجلة الأحكام العدلية فى الفترة من 1868 إلى 1875م ( 1286 – 1293هـ) فى ستة عشر جزءا تضم سبعة وثلاثين بابا وألف وثمانمائة وإحدى وخمسين مادة تغطى أبواب المعاملات التى اتفق عليها الفقهاء وهى البيع والإيجار والكفالة والحوالة والرهن والوديعة والهبة والغصب والإتلاف والحجر والإكراه والشفعة والشركة والوكالة والصلح والإبراء والإقرار والدعاوى والبينة والتحليف والقضاء. هذه المواد عبارة عن قواعد فقهية عامة تحقق أكبر قدر من المرونة فى مجال التطبيق العملى .
فقد أخرج جودت باشا الفقه الإسلامى من تلك الدائرة الضيقة التى رسمها له بعض الفقهاء الذين لم يستطيعوا المواءمة بين القواعد الفقهية وتطور المجتمعات الإسلامية، فتجاوزوا عن مصالح الناس وما جرى عليه العرف بينهم غافلين بذلك عن قاعدة فقهية متفق عليها وهى أن " المعروف عرفا ، كالمشروط شرطا" ، فضيقوا فى تفسيرها ، وأفسحوا المجال أمام دعاة التغريب ليدعوا أن الشريعة الإسلامية غير قادرة على مسايرة مصالح الناس ، واستطاع جودت باشا أن يثبت أن من الممكن إيجاد أحكام فقهية تتفق مع القواعد القانونية المعاصرة فى باب المعاملات المدنية، فلم يأخذ فى تدوين المجلة بما يصدم مصالح الناس ، واعتمد على أكثر الأقوال الفقهية تحقيقا للصالح العام ، ومراعاة مصالح الناس وهو أمر أساسى فى التشريع الإسلامى.. وتمثل مجلة الأحكام العدلية الخطوة الأولى فى طريق إيجاد فكر قانونى إسلامى بعيد عن لمؤثرات الغربية وملبيا لاحتيجات الدولة العصرية. وتعتبر مجلة الحكام العدلية عمل رائد فى مجال تقنين أحكام الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامى الذى لم يجمع قبل أحمد جودت باشا على هيئة مواد، إذ كان التأليف الفقهى قبله يجرى على أسلوب التحليل والاسترسال ، ويعتمد فى مجال التطبيق على مقدرة الفقيه فى استنباط الأحكام .
برنامج جودت باشا لإصلاح الدولة :
إفى إطار ر هذه المحاولات للبحث عن سبيل للإصلاح يحفظ للدولة هويتها وخصائصها ، طرح المفكر والمؤرخ والفقه ورجل الدولة العثمانى أحمد جودت باشا برنامجه الإصلاحى الذى استقاه من خبرته كمؤرخ وسياسى وفقيه وجاءت أبرز خطوطه تدعو إلى[27] :
1) تكامل الإصلاحات:
يقول جودت باشا ( إن الدولة تتكون من مؤسسات إدارية وعسكرية وقضائية ، ونهضة الدولة تتحقق بقدر ما يتحقق الانتظام والاتساق الكامل بين هذه المؤسسات فالدولة كالبناء لا يمكن أن يرتفع و يعلوا إلا إذا ارتفع أساسه بشكل متساو ومتناسق، والإ انهدم البناء. وإن ما أصاب الدولة من ضعف إنما هو بسبب نمو أحد هذه المؤسسات على حساب بقيية المؤسسات . فمؤسسات الدولة مترابطة ويؤثر كل منها على الآخر مثل أجزاء الساعة الواحدة لا بد أن تعمل جميعها فى نظام حتى تؤدى الساعة عملها على الوجه الأكمل، وأى خلل يصيب أحد أجزائها يؤثر على عمل بقية الأجزاء فتفقد الساعة وظيفتها، ويتعطل دولابها).
الإصلاح وليس التغيير:
يؤمن أحمد جودت باشا ، (أن التطوير أمر طبيعى للدولة والأفراد ، لكن هذا التطوير ينبغى أن يتم فى إطار يحافظ على الهوية الثقافيو والحضارية للدول والأفراد ، ويتمسك بضرورة المحافظة على التقاليد والعرف بوصفها حقائق لا يمكن تجاهلها ، فالتغيير ينبغى ألا يهدم أصول القيم التى تقوم عليها الدولة والمجتمع. فالإصلاح لا يعنى تجريد الدولة العثمانية من هويتها كدولة مسلمة ، لأن مفهوم الدولة فى الإسلام أفضل من مفهومها لدى الغرب، وأن الدولة التى تلتزم باتياع أصول الحكم والإدارة كما هى معروفة فى الفكر الإسلامى ، يمكن أن تحقق مبادئ الحرية التى لا تتعارض مع العدل والحق وأن تقيد سلطة الحكومة المطلقة). ( ومن المناسب للدولة أن تأخذ من النظم العسكرية والإدارية التى هى مصدر قوة الغرب، بما يناسب أصولها وثقافتها).
النظر إلى مصلحة الدولة أولا وعدم الخضوع للضغوط الأوروبية:
لم يثق جودت باشا فى الدول الأوروبية وسياستها نحو العالم الإسلامى فهى لا يمكن لها أن تعمل لمساعدته ، فهذه الدول مجتمعة تعمل على إضعافالعالم الإسسلامى، وأثارة المشكلات حوله وداخليا وخارجيا. و من منطلق هذا الفهم لسياسة أوروبا تجاه الدولة العثمانية، يرى جودت أنه عند إصلاح الولايات العثمانية، يجب أولا النظر إلى مصلحة الدولة العثمانية بالدرجة الأولى، دون الالتفات إلى مصالح الدول الأوروبية التى تتعارض مع مصلحة الدولة.، وفى الوقت نفسه ينبغى عدم إفساح المجال أمام تلك الدول للتدخل فىشئونها.
مراعاة الخصائص الاجتماعية والثقافية للشعوب الإسلامية:
يرى جودت باشا إن التغلغل فى اى مجتمع ، حتى وإن كان مجتمعا بدائيا، يتم من خلال التعرف على عادات أهله وأخلاقهم، وبالتالى يمكن تطويع هذا المجتمع والتعامل مع أفراده بشكل أفضل. لذا ينبغى النظر بعين الاعتبار إلى الظروف الخاصة بكل منطقة فى العالم الإسلامى من حيث أهميتها وموقعها وطبائع أهلها. فتعدد الشعوب وتنوعها العرقى والدينى يجعل للدولة سماتها الخاصة التى تختلف فيها عن غيرها من الدول، فكل ولاية فى الدولة العثمانية تختلف عن الأخرى، وبالتالى لا يمكن تطبيق الأسس العامة للدولة على كل ولاياتها ، وتجاهل هذه الاختلافات لأنه فى هذه الحال سينفرط عقد الدولة العثمانية وتفقد كيانها.
مراعاة الرأى العام:
يؤكد جودت على ضرورة مراعاة الرأى العام داخل الدولة وخارجها، ويحذر القائمين على الحكم من تجاهل الرأى العام ، وهو على حد قوله يستمد رأيه هذا من التجربة والتاريخ. ويقول فى تشخيصه لأسباب فشل اللمحولات السابقة فى إصلاح الدولة ،إ نها لم تلتفت كثيرا إلى الرأى العام العثمانى الذى كان يرى أن الجيش قرين الدولة ، وكلما أمعنت تلك الاصلاحات فى التغريب ، كلما ازداد نفور العثمانيين المحافظين منها لارتباطه هذه الإصلاحات فى وجدانهم بالغرب . كماغفلت هذه المحاولات أيضا عن التكوين الفكرى العثمانى ، الذى كان يعانى من الهزيمـة الماديـة أمام أوروبـا خاصـة بعـد الحملة الفرنسيـة على مصر فكان فكر رجـال الدولة غير متوائم مع الرأى العام فيها[28].
وضع الرجل المناس فى المكان المناسب:
يرى جودت باشا ضرورة وضع الرجل المناسب فى المنصب الذى يتلائم مع خبرته وقدرته. ويجب التفريق بين مهام المدنيين ومهام العسكريين، ويرى أنه من الخطأ تكليف القادة العسكريين الذين يفتقرون الى الخبرة الكافية بالمسائل الإدارية ن للقيام بهذه المهام . ويقول أن استخدام السيف موضع القلم، والقلم موضع السيف يأتى بنتيجة عكسية، والمعرفة وحدها لا تكفى إنما لابد من الممارسة الفعلية.فالخبرة النظرية لاتكتمل إلا بالخبرة العملية، حيث أن البون شاسع بين معرفة العمل ، والقدرة على القيام به.
انتصار تيار التغريب، ونهاية الدولة العثمانية:
عجز العثمانيون المحافظون عن الصمود أمام التغريبيين المدعومين من أوروبا وصحافتها فى الخارج ، ومن المحافل الماسونية ويهود الدونمة فى الداخل، فضلا عن قطاع مؤثر من المتقفين العثمانيين الذين تبنوا الفلسفات الوضعية والمادية الأوروبية، أمثال ، ضيا كوك آلب منظر القومية التركية ، وعبد الله جودت مروج الفلسفة المادية الإلحادية ، وتوفيق فكرت الأديب الملحد ، ومن الساسة ، مدحت باشاالصدر الأعظم الماسونى ، وطلعت باشا ، قائد زعيم الاتحاد والترقى الماسونى أيضا ، ولم
[1] انظر، أكمل الدين إحسان ( إشراف) الدولة العثماينية ، تاريخ وحضارة ، ج1، ص 82 .
[2] روبير مانتران ، الدولة العثمانية، ج 2، ص 16.
[3] تعرف التنظيمات العثمانية بأنها أول تقنين رسمى لتبنى الدولة العثمانية النظم الغربية .
[4] انظر، ماجده مخلوف، معروضات أحمد جودت باشا ، رسالة دكتوراه غير منشورة ، كلية الآداب جامعة عين شمس 1983، ص 26
[5] انظر الترجمة العربية الكاملة لخط شريف كلخانة فى ، محمد فريد، تارييخ الدولة العلية، ص481-484.
[6] على رشاد، تاريخ عثمانى ، استانبول 1329، ص 517.
[7] Ismail Hami Danismend, Osmanli Tarih Kronolojisi, c.4, s.126.
[8] أحمد فهد بركات الشوابكة، حركة الجامعة الإسلامية ، طا 1984، ص33.
[9] انظر النص الكامل لهذا المرسوم مترجما إلى اللغة العربية فى ، محمد فريد، نفس المرجع ، ص ص 484- 489.
[10] انظر، محمد فريد ، تاريخ الدولة العلية ، ص278. ، وأيضا ، عبد الرازق عبد الرازق عيسى ، التبشير الأمريكى فى الشام ، رسالة دكتوراع غير منشورة ، كلية الآداب جامعة عين شمس 2002، ص 257.
[11] أنظر، احمد حمدى طانبينار، مقالات حول الادب، استانبول 1977، ص 220.
[12] انظر، سعيد حليم باشا، بحرانلرمز، استانبول 1335، ص 22، وأيضا،
Bernard Lewis and P.M.Halt, Historians of trhe middle east, london 1964,p.422.
[13] سعيد حليم باشا ، إسلاملشمق، استانبول 1337، ص 169.
[14] انظر، انكه لهارد ن تركيا وتنظيمات ، ص 175. وأيضا ، سعيد حليم باشا ، بحرانلرمز، ص 22.
[15] Bak. Kemalettin Apak, Ana Cizgilerile Turkiye’deki Masonluk Tarihi, Istanbul 1958,s.20-23.
[16] بول دومون ، فترة التنظيمات ، فصل فى كتاب الدولة العثمانيةأ اشراف مانتران ، ج2 ، ص 79-80.
[17] بول دومون ، فترة التنظيمات ، فصل فى كتاب الدولة العثمانيةأ اشراف مانتران ، ج2 ، ص81.
[18] بول دومون ، فترة التنظيمات ، فصل فى كتاب الدولة العثمانيةأ اشراف مانتران ، ج2 ، ص 82-83.
[19] Nahid Dincer, Yabanci Ozel Okullar,Osmanli Imparatorlugunun Kultur Yoluyla Parcalanmasi,Istanbul tarihsiz,s.26.
[20] أحمد الرحيم مصطفى ، فى أصول التاريخ العثمانى ، دار الشروق، ط1، 1982م، ص219-220.
[23] أحمد جودت باشا ، التذاكر، ج1، ص 21.
[24] أكمل الدين إحسان، إشراف، الدولة العثمانية تاريخ وحضارة ، ج2، ص617.
[25] انظر، وفاء البستاوى ، فكرة الإصلاح فى تذاكر جودت باشا ، رسالة ماجستير غير منشورة ( تحت إشرافنا ) كلية الآداب جامعة عين شمس 1996،ص 81.
[26] عبد الرحمن شرف ، تاريخ مصاحبه لرى ، استانبول 1340، ص 65.
[27] حول فكر الإصلاح عند جودت باشا يمكن الرجوع إلى ، ماجدة مخلوف ، المرجع السابق ، وفاء البستاوى ، المرجع السابق.
[28] احمد جودت،تاريخ جودت، ج8، ص141- 142.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق